الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010

نظامك ايه ؟؟ (1)


بوجه الذى يبرز العظام منه والغطاء المعدني الذى يقيه من صدمات الموتسيكل القاتلة يهل علينا علي الشاشة ويطل علي ابطالنا الثلاثة المساكين المتلهفين الي من ينقذهم من هذه الورطة التي وقعوا فيها ..يريدون من اول الفيلم حل مشكلتهم العويصة ولكن لا جدوى من ذلك حتي يكلمون ذلك الشاب لينجدهم مما هم فيه ولكن هل ياترى سيحل المشكلة فعلا ام سيخيب امالهم ؟؟!!

كنت قد تكلمت في التدوينتين السابقتين عن السلاجقة ودولتهم التي لعبت دورا في حياة التاريخ الاسلامي ولكن هل هذا الدور انتهي الي ذلك ؟..لم اذكر كل السلاجقة العظام الذين تولوا عرش هذه الدولة وانما ذكرت سلجوق اصل هذه الدولة وطغرل بك باني الدولة والب ارسلان السلطان الشجاع والذى كان من الاهمية بمكان ان يكون في عداد هؤلاء العظماء ولكن عظمة الب ارسلان مرتبطة بعدة اشياء اولها سأذكرها في هذه التدوينة وهو وزيره الهمام نظام الملك ..

اذا قلنا ان سلجوق الاصل والباني للدولة السلجوقية هو طغرل بك فان نظام الملك هو مهندس الدولة ومخططها الاداري الذى لايكل ولا يتعب ..نظام الملك او ابو علي الحسن بن علي بن اسحاق الطوسي الذى يقول عنه المؤرخون من الفضائل ماتغني اي فرد ليعلو بين الخلق اجمعين واظن ان المؤرخين لم يكيلوه بالمديح الا انه يستحق ذلك ..نظام الملك ليس مجرد فرد او وزير في دولة ولكنه باني ومصلح حقيقي لفكر ومنهج استمر لعقود بعده بل انه كان النهضة الحقيقية في الفكر الاداري والسياسي والاقتصادى لعنصر الاتراك والدول التي بنوها في المشرق الاسلامي من الدولة السلجوقية التي كان وزيرها الي الدولة النورية التي قامت في حلب وهي التي يحكمها نور الدين استاذ صلاح الدين الايوبي لتنتقل الافكار الاصلاحية الي دولة اخرى كان لها اكبر الاثر في تاريخ مصر والشرق الاسلامي كله وهي الدولة الايوبية التي قامت علي اكتافها فكرة الجهاد وتطبيقه ضد الصليبيين الغزاه ...

لذلك كان نظام الملك وقوته وشدته في الحق والاصلاح تكفي وتغني الدولة السلجوقية لسنوات من التنظيم والهدوء لابد لي ان اسرد هذه الافكار الاصلاحية التي كانت لها من الاثر الكثير منها :

الف كتاب يدعي "سياست نامة " باللغة الفارسية واحتوى هذا الكتاب علي افكاره الادارية والاقتصادية التي نفذها فيما بعد واكثر ما اهتم به نظام الملك هو الامن الداخلي او المخابرات الداخلية وذلك عن طريق التجار والدراويش والمخبريين السريين الذين كانوا يبعثون اولا بأول المعلومات التي تهم السلطان والحكومة المركزية لمنع اي تمرد ضد الحكومة ولكن لابد لنا ان ننتبه الي ان اختيار المخبرين لم يكونوا هباءا بل انه اختيار دقيق واهم مايتميز به المخبر النزاهة والتقوى وكانوا يراقبون القضاه والولاه وكبار الموظفين اي مايشبه عندنا الجهاز المركزى للمحاسبات او الرقابة الادارية ..


الاصلاح الاقتصادى ..بالطبع الكلمة هذه سيئة السمعة في مصر حيث انك تسمعها منذ ثلاثون عاما متواصلة وهي الي جانب محدودى الدخل والبنية التحتية تدخل في قاموس الاستهبال المصري المعروف ..ولكن في قاموس نظام الملك تجد انها لها اساس وطعم ومذاق خاص به ..حيث اهتم بالزراعة وادخل نظام الاقطاع الزراعي علي جنوده وجعل لهم ان يدفع كل اقطاعي مبلغ الي خزينة الدولة في مقابل الانتفاع بأراضيه ويعمل فيها الفلاحون دون ان يكونوا تحت السيطرة الاقطاعية بل كانوا تحت رعاية الدولة التي كانت تشرط علي الملاك اعطاء البذور وادوات الزراعة والاجور للفلاحين ..وبذلك اقام نهضة زراعية واستقرار وفي نفس الوقت استقرت رواتب الجيش السلجوقي ...


اهتم نظام الملك بالعلم والعلماء والثقافة عموما ..وذلك لرغبته الداخلية في رفع شأن الدولة السجلوقية ..لابد انه فهم شىء مهم ان العلم لايبدو مظهريا بل جوهريا واساسيا في رفع الدولة الي مصاف الدول القوية ..العلم وحده هو من يرفع شأن الدول ..ولابد ايضا ان نذكر ان الكتب التي كانت تنسخ وتوضع في المكتبات التي انتشرت في ارجاء الدولة لم تكن
في غلافها الخلفي صورة حالمة لنظام الملك ومكتوب تحتها تحت رعاية السيد الفاضل نظام الملك ..او لم يكن نظام يجيش الاطفال في مهرجانات ليهتفوا بابا نظام راعي الثقافة والكتب ..

كان نظام الملك يجيش العلماء من اجل خدمة الدولة ..مجلسه ملىء بالعلماء في كافة المجالات ..بل انه اتخذ خطوة عظيمة للغاية اثرت في مسيرة العلم في الدول الاسلامية بعد ذلك وهي انشاء المدارس ..التي اسماها بالمدارس النظامية وانتشرت في كل ارجاء الدولة من بغداد الي اصفهان الي خراسان وغيرها من البلدان ..

كانت تعتبر مثل الجامعات الان حيث انفق علي بنائها مائتي الف دينار ..وارفق بها المكتبات واماكن النوم ورواق للصلاه واروقة اخري لاماكن طبخ الطعام للطلاب ..وكان التدريس فيها وفق المذهب الشافعي الي جانب العلوم الاخري
علي ايه حال لابد لنا من التحدث عن هذه المدارس مرة اخري ...

من الممكن ان ترى معي ان الكلام الذى سبق فيه شىء من الجفاف ..ما لنا وسيرة رجل انتهي وانتهت ايامه ..ولكن لابد ان نفهم ان نهضة نظام الملك هذه لم تكن الا بداية لنهضات اخري ..صلاح الدين كان اللبنة النهاية في هذا الصرح ..الدول التي بنيت في المشرق الاسلامي بعد نظام الملك كانت وريثة لهذه النهضة ..الدولة الايوبية كانت احدي تلك الدول بل ان صلاح الدين اتخذ بعض الخطوات المشابهة لنظام الملك خاصة في مسألة العلم حيث لجأ صلاح الدين الي بناء المدارس السنية لكي يزيل ما خلفه المذهب الشيعي من خرافات وتشويه للمصريين ليعيد مصر مرة اخري الي مصاف الدول التي تحترم نفسها ودورها وليقودها نحو القدس ..وقد اطلق الصليبيون علي القاهرة انها مفتاح القدس ..
الصليبيون فهموا اخيرا ..

بالطبع نظام الملك لم ينتهي بل له جزء ثاني لم اتحدث عنه وسأتركه في التدوينة القادمة ان شاء الله ..ولكن لابد لنا من انقاذ ابطالنا الثلاثة او بالاحري نرى انقاذهم علي الشاشة ..يدخل ذلك الشاب الذى يذكرك بعود القصب لشدة نحافته وينظر اليهم نظرة موحية غاضبة ثم يتفحص جهاز الفيدو ويحاول ان يجد حلا شافيا لهؤلاء لفتح الفيلم ومن ثم متعتهم به ..ثم ينظر اليهم ويقول :

- النظام مختلف ياكوريكات
-ياخبر اسود طيب وبعدين ؟؟
-يعني هناك تشوف صوت وصورة ..هنا متشوفش حاجة خالص
- طب والعمل ياريس ..
ينظر اليهم الريس "برايز" ويقول :

- هاعمل محاولة بس هتسمعوا صوت من غير صورة
يقولون : المهم الصورة سعادتك
يصيح فيهم برايز :
- كنتوا اسألوا روحكوا قبل ماتخدوا الفيلم دى منظومة مترتبة ودة اهم سؤال فيها :"النظام "
ثم يصيح فيهم اكثر واكثر :" النظام يابهايم "
- متزلناش بقي ياريس برايز ..!!
- العيب مش فيكم"العيب في النظام "

ثم يتركهم وينصرف ليتجرعوا الحسرة والندم في عدم تشغيل الفيديو ... (مشهد من فيلم "فيلم ثقافي ")


مصادر : كتاب تاريخ السلاجقة : علي الصلابي ...


الي لقاء ..مع نظام اخر