الجمعة، 29 أكتوبر، 2010

في امان الله (2)


متي اشتعلت الرغبة ؟..متي اشتعل الخيال ؟ هل عندما بدأ كريستوفور كلومبوس برحلته بسفنه الثلاث مغادرا الارض الاسبانية الي المجهول او عندما بدأ يعتقد الاوربيون انهم يعيشون في عالم اوسع من المعتقد الاوربي او عندما بدأت الحماسة الدينية لسفك دم الاخر ونهبه والاستيلاء عليه وتطويقه والالفتات حوله يمنة ويسرة للقضاء عليه ..ام عندما سمعوا ماركو بولو وهو رحالة الاوربيين الاشهر بينهم وحكايته التي اشعلت خيالهم الي الشرق بسحره وعبقه وحكايته التي لاتنتهي وتوابله التي لاغني عنها وغني الشرق الذي سيغني اوربا من حيث لاتدرى ولاتحتسب ..ام عندما قرر الاوربيون اخيرا تغيير مجرى التاريخ وقلب موازينه ..

الله وحده يعلم سننه ويبينها في الوقت المناسب ..الله يملك التاريخ والجغرافيا والعلم يعطيه من يشاء ..لابد ان تفسر الاشياء بجميع المناظير المتاحة لدينا نحن البشر ..عندما تفسر الاشياء بمنظور واحد تخالف الحقيقة بشىء يثير التقزز ..لذلك عليك ان تفسر ان الحضارة الغربية بدأت باجتهاد الغرب والبحث العلمي المتاح لديهم ..بدأت بارادة الله التي لا تعلمها ايها الانسان الا قليلا .. وارادة الله في التاريخ هي احداث التاريخ نفسه ..فالتاريخ هو مشيئة الله وقدره مترجمة الي احداث ..

هل الله قدر ان المسلمين يخرجوا من الاندلس اذلة ؟ نعم قدر ..الله يريد ذلك ..ولكن لماذا يخرج المسلمون من الاندلس وينكل بهم بهذه الطريقة ويعذبون بهذه البشاعة ؟؟..لابد من البحث المنطقي للاشياء ..لابد ان نبحث عن الحقيقة اينما كانت ..الاندلس درة العرب وحلمهم ..ولكن العرب ضيعوها بحمقهم المعتاد ..بطغيانهم ..بأفنائهم لبعضهم البعض ..اذا تأملت في سيرة العرب تجد الحروب بينهم اكثر من الحروب التي كانت بينهم وبين الاخرين ..العرب قضوا علي بعض واصبح بأسهم بينهم شديد لذلك لاتبك علي الاندلس ارجوك ..وانني اكره مبدأ الرثاء في التاريخ ..اذا افترضنا ان التاريخ هي مشيئة الله فلا تبك علي مشيئته ..واذا افترضت ان التاريخ هي افعالنا التي لم يجبرنا الله عليها فلا تبك علي فعل مضى ولكن ابك علي حالك اليوم الذي هو لايختلف كثيرا علي هؤلاء الذين نكلوا وعذبوا وضاعت هويتهم ولسانهم ..

الايام علي استدارتها فيها الكثير من العجائب تجد دولة منهارة تصل الي مراتب المجد وتجد دولة في قمة المجد بعد قليل منسية في ارشيف التاريخ يتم دراستها في الجامعات ..هكذا التاريخ وهكذا الدنيا ..وهكذا الدولة العثمانية التي اجتاحت اوربا معيدة الي اذهان اهلها الفتوحات الاسلامية التي تمت في عهد اجدادهم ..وصل العثمانيون الي وسط اوربا حيث اسوار فيينا وتوقفوا عند اسوارها وعند قمة المجد ليواصلوا بعدها الانهيار ...

ولكن قبل الخوض في الخطر العثماني ..نذهب الي الجهة الاخري من القارة العجوز حيث غرب اوربا التي تضطرم فيها الحماسة الدينية ..يقولون بلسان حالهم طردنا المسلمين وطهرنا اسبانيا والبرتغال ..وان الاوان ان نقفز الي الخطوة المنتظرة..القضاء علي المسلمين من الجهة الاخري والقضاء علي اقتصاديتهم التي يتحكموا فيها ..لتبدأ الخطوة التي غيرت وجه العالم وغيرت موازين القوى ...اذا نظرنا الي خريطة العالم عند سقوط الاندلس نجد عدة اشياء :
  • المماليك الذين يسيطرون علي تجارة الشرق حيث كانوا الوسطاء التقليديون في جلب بضاعة الشرق خاصة التوابل التي لاغني عنها في المائدة الاوربية ..وكانت المدن الاوربية التي شكلت في حد ذاتها جمهوريات صغيرة مثل البندقية وجنوة وبيزا متحالفة مع دولة المماليك وتجد الفنادق التي تعج بهم في الاسكندرية حيث المحطة النهائية قبل اوربا ...
  • سقوط الاندلس ومابرزه من حماسة دينية تشبه كثيرا الحماسة الصليبية في القرون الوسطي وما افرزه هذا السقوط من تنصير المسلمين بمباركة البابا في روما ..بل ان الامر تتطور الي قيام حملات علي الشواطىء المغربية خاصة من البرتغال التي اوصلت الامر الي وصولها الي الشواطىء الافريقية جنوبا بقيادة هنرى الملاح وبعدها نجد ان " بارثليمو دياز " يصل الي الطرف الجنوبي لافريقيا لنجد من يكمل المسيرة الي الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بقيادة فاسكوا دي جاما ليصل الي كالكيوت في الهند ...

الحقيقة ان الهند كانت الملعب التقليدى للمسلمين والان اصبح في الملعب البرتغال ايضا لتشتد المعارك بينهما وتجد ان البرتغال خاضت حروبا ضد المسلمين في هذه المناطق واستطاعت ان تكسر شوكة المماليك الذين كانوا يعانوا من الضعف الاقتصادى في هذه الايام ..

من الممكن ان تقول حسنا ..صراع سياسي او اقتصادى بحت ..انا معك في هذا التفسير ..اذا استبعدنا الدين ستجد هذا ممكنا ولكن من فضلك لابد ان تبرز دور الدين ايضا ..الدافع المحرك لاى قوى انسانية هي الطاقة الايمانية ..الفتوحات الاسلامية كانت طاقة دينية في نفوس المسلمين الاوائل دفعتهم الي فتوحات لنشر الدين الاسلامي ..حركة الاستكشافات الجغرافية كانت بدافع ديني في المقام الاول بمباركة البابوية التي خولت لهم الاستيلاء علي الاراضى خارج العالم المسيحي بغرض الكثلكة اي تحويل البشر الي الكنيسة الكاثوليكية ..

يعرض كتاب " استراتيجية الاستعمار والتحرير " للرائع جمال حمدان يفسر هذه المسائل الي عدة نقاط اهمها ..عوامل اقتصادية حيث غلق العثمانيون الطرق التقليدية المؤدية الي الشرق الاسيوى واصبحت اوربا في عزلة اقتصادية ..اسباب دينية وهي رغبة الكنيسة الكاثوليكية في القضاء علي الكفرة " المسلمين " ..رغبة سياسية في الهيمنة والسيطرة وهذه كانت اول بذور الاستعمار الحديث ..

اذن الوضع الان اوربا بين الخطر العثماني والعزلة ..اوربا بين قوميتها الناهضة ودولها الناشئة وحلم الاستعمار والهيمنة ..اوربا بين حماستها الدينية المشتعلة وبين الثروات التي تحلم بها وتشتهيها دوما ..
................

وكأني بهندى يجوب في الاحراش يبحث عن اهله وهو ملتاع ... ينظر الي السماء في نظرة موحية لسان حاله يقول
"انني اريد ان اعيش في امان الله "

انتهي الجزء الثاني ..