السبت، 23 يونيو، 2012

الرابعة : الطريق الي اسطنبول


المشكلة مع النساء عموما ..أن تبدو خجولا ..قد تكون هذه مزية لكي تلفت النظر بمبدأ " خالف تعرف " لكن وهذه نصيحة لوجه الله .." النساء يريدن الجرىء المخترق الذى يتفحصهن من داخلهن حتي النخاع ..بالطبع هذه نصيحة ولست مجبرا علي إتخاذها .

حسنا هذا مدخل لما كنت أريد ان أسرد فيها القصة اليوم ..
خرجت انا وسوزان من باب الوكالة في شامبليون وذهبنا الي جروبي القريب في ميدان طلعت حرب ،أحتسيت أنا النسكافيه الصباحي ، وهي طلبت القهوة التركية ، لا غرو اذا قلت ان كل الأتراك يعتزون بتركيا حتي في طريقة قهوتها كما ان الألمان يحبون لغتهم ، كما ان المصريين يكرهون العربية ويتشدقون ليلا نهارا بالانجليزية ..حسنا لسنا في محاضرة ها هنا عن الهوية ..لكن علي اى حال بدا الحديث بيني وبينها عن هذا الموضوع بالذات ..وتناقشنا طويلا وخرجنا بنتيجة ان كرامة الدولة تنعكس علي هوية المواطن وكرامته في النهاية .

تطرقنا الي احاديث كثيرة ..وفجأة قالت لي ..عملك سيكون من الشهر القادم في تركيا ..أندهشت بالطبع ..بل اضطربت ولا أعلم الي الان لماذا جاء الي هذا الأحساس ...

قالت لي : لا تنتدهش نحن وكالة اخبار وقد علمت من السيد مراد صاحب الوكالة انك ستنقل الي قسم المراسلين وستكون أنت مراسلنا في تركيا .
قلت : أنا ..لماذا ، فأنا أرتاح هنا ..و...قاطعتني وقالت للاسف لا مجال هنا للنقاش انت بين أمرين لا ثالث لهما إما ان تكون مراسلنا هناك أو لا شىء بمنتهي البساطة الوكالة لا تبكي أحدا حتي لو كان روبرت فيسك نفسه .... لو لم تعرف روبرت فيسك فهو الكاتب البريطاني المشهور في الاندبندت .

حسنا ..لا خيار لدى علي ان أوافق ..لن أكرر تجربة البطالة المريرة التي استنزفت سنوات من عمرى ..وأتخذت قرار السفر بالفعل ..

_____________________________

كان علي أن أجهز جواز السفر والأوراق الروتينية التي أنتهيت منها في خلال أسبوع بمساعدة الوكالة .. وفي يوم تسليم الأوراق الي الوكالة بالفعل ذهبت الي مراد نيسين صاحب الوكالة ومديرها تناقشنا حول خطط العمل وفوجئت أن سوزان هي الاخرى ستنتقل الي تركيا لتكون المشرفة علي عملي هناك ..أستغربت عندما سمعت هذا من مراد فهي لم تقول لي شىء علي الإطلاق حول هذه المفاجئة ..

حسنا ليست خطيبتي او عشيقتي هي مجرد زميلة في العمل الي الأن ..وغن كانت نفسي في بعض الأحيان تسول الي ان ادخل معها في علاقة حب أو تسلية بمعني الحب ..ولكن لا وقت لدى لهذه المهاترات حتي الان ..وأنا أغرق في تفكيرى في هذه الأمور في مكتب مراد ..قطع مراد حبل أفكارى وقال لي بصوته الذى يشبه صوت أوردغان .." صحيح ..ميمو أتصل بي صباح اليوم وقال لي أنه يريدك غدا في التاسعة صباحة في مكتبه " ...فأندهشت ولكنني قلت له إن شاء الله سأذهب ..

خرجت من عند مراد وسؤال سيفجر رأسى ..ميمو يتصل به هو ولا يتصل بي ..لماذا ..وما علاقاتي بميمو فالصلة أنقطعت عندما تركت العمل في الجريدة عنده ...حسنا كلها اسئلة مشروعة ولابد لي ان أحصل علي الجواب غدا في التاسعة صباحا ...

___________________________

في التاسعة الصابحة كنت في مكتب ميمو ..أنتظره ..أنتظرته حتي العاشرة ..تأخر ساعة كاملة ..هكذا الاوغاد يتأخرون ساعة كاملة عن موعدهم الاصلي ..تم اللقاء وياليته ماتم ..شعرت بخوف شديد من هذا الرجل وتذكرت أشياء كنت قد نسينتها حينا من الزمن .. وبالطبع لم أحصل علي اجابة شافية لماذا لم يتصل بي واتصل بمراد لكي يطلبني عنده

كان ميمو صارما في هذا اللقاء كأنه يقول لي انت في تركيا بفضلي ولابد ان ترفع رأسي هناك انت أحد تلاميذ المؤسسة الذى انجبتك وجعلت منك صحفي مراسل في تركيا .
كان حوارا سمجا في مجمله استمر نصف ساعة فقط ..لكنني انتبهت الي قلوله " سترى هناك مفاجأت ..وستتعلم اكثر ..وستتم مهمتك الموكلة اليك في اسرع وقت ...

مهمة ؟! أي مهمة يتحدث عنها ذلك الغبي ..أنا سأذهب في عمل صحفي ..واصلت التفكير طوال سيرى من وسط البلد ..كنت أتجول خاوى الفكر والروح حتي قفز الي ذهني ذكرى عن ميمو قالها لي شاعر مشهور ..

____________________________

ذكرى الشاعر :

كنت مكلفا يوما ما بالذهاب الي هذا الشاعر ..عندما علم انني اعمل لدى ميمو ..امتعض وجه وقال "أسف لن أكمل هذا الحوار ابدا "
بفضولية معهودة لدى ..قلت له اريد ان اعرف مدى كراهيتك لميمو وماهي الأسباب ..قالي لي لن أحكي شىء عن تلك الذكريات البعيدة لكنني سأحكي لك عن موقف واحد فقط :

" ذهبت الي بلجيكا في منتصف السبعينات ..وكنت طريدا من النظام ..تسكعت في شوارع بروكسل لفترة من الزمن حتي علمت ان السفارة المصرية أعلنت عن عمل ثقافي جديد ..فذهبت كي أقدم علي هذا العمل لعل وعسي ان ينتشلني من حالة التشرد الذى كنت فيها ..في اليوم المحدد ذهبت الي مكتب المستشار الثقافي هناك حتي فوجئت بمبمو هناك ..كان صحفيا شابا ساعتها ..ولكنه كان داهية قال لي المستشار الثقافي عليك ان تذهب مع ميمو وسيقول لك ماهو عملك بالظبط ..
وفوجئت ان ميمو قذر للغاية في اخلاقه ومبادئه ..وعمله وكل شىء ..عشت أسود أيام حياتي مع هذا الكائن انه شيطان يتحرك علي الأرض ..لا تعرف من أين يأتي وماذا يفعل ومتي يذهب الي مصر ومتي يرجع منها كأن الأرض كلها طوع يمينه .."

ثم توقف الشاعر عن الكلام ونظر لي نظرة نارية كدت ان أموت فزعا بعدها وطردني من منزله .

كنت أتذكر كل هذا الحديث عندم اصطدمت بشخص يشبه أفراد " البودى جارد" ليقطع علي هذه الذكريات ..ليقول لي أسف يا أستاذ ..معلش ما اخدتش بالي منك ..واسفي دة هيترد لك قريب !!! وتركني وذهب ..قلت في نفسي " بجمله الهبل النهاردة وماله باين عليه واحد أهطل هو كمان يخبط فيا ويقول الاسف مردود قريب !!!..الصبر يارب من عندك "

_____________________

أخيرا أنا في مطار القاهرة ..ركبت الطائرة في السابعة صباحا بجوار سوزان في الطائرة المتوجهة الي أسطنبول ..تكلمنا مدة الساعة في الطائرة أنا وسوزان ..حتي غرقت هي في النوم وفجأة سمعت سيمفونية " شخير " من سوزان جعلتني أعيد النظر فيما كنت احبها يوما ما أم لا ..وكانت الاجابة بعد هذه الاصوات المرتفعة انها لا تصلح علي الاطلاق ..

____________

وصلت الي أسطنبول اخيرا ..لتنتظرني مفاجأة جديدة هناك .

.................................

لو مستغرب اقرا التلات بوستات اللي فاتو واقرا من الاول

الثالثة : " ميمو " وسوزان ..وأول شارع شامبليون


أشعر بأن الجو خانق في هذه الشقة التي سكنت فيها من جديد ..
غالبا هذه هي المرة الرابعة التي أسكن فيها في القاهرة ..أقصد المرة الرابعة في 5 شهور ..بمعدل شقة لكل شهر .
حسنا لن اجتر الي ذكريات قريبة بدورها تجتر الذكريات البعيدة ..في شهور خلت العمل الجديد .
القصة التي أ سردها تحتاج الي جهد ، لأنني أعرف هذه الأشياء عن " الكائن ميمو " من الكتب ..الي جانب انني ألتقي به شخصيا ..بالطبع لا أتحدث اليه الا قليلا ..لأنه عالي المقام أما أنا فليست لي صفة في هذا المكان ..بل أنا متناهي الصغر بالنسبة اليه ..

......................

ميمو الأن أصبح العميل رقم 30 ..بالطبع هذا الميمو الأن اذا خيّل اليك ذلك في غرفة عمليات بسيطة ..بها منضدة طويلة يجلس عليها وحده في إنتظار " محسن بيه " الذى يدخل ويقول جملة وحيدة ..أهلا ياميمو ...
ميمو أعتاد أن يكون واثق من نفسه .. فكان يرد بتلقائية كأن محسن هذا صديقه في الجامعة ..فرد عليه ميمو ..أهلا بيك يامحسن باشا .
كان هو اللقاء الأول وليس الأخير بالطبع لكن ميمو في هذا اللقاء فهم دوره ، وهضم العملية التي سيقوم بها كأنها قطعة لحم شهية ..
وكانت أخر كلمات محسن بيه تشيد بذكاء ميمو ..و فطنته ..وأنه سيقوم بالمهمة علي أكمل وجه ..و........ هذا الأنقطاع بالطبع كان في تعبيرات محسن بيه وصوته عندما قاطعه ميمو وقال له أريد ان أكون رقم 1 وليس 30 ..فضحك محسن حتي دمعت عيناه وقال له ..لهذا أخترتك ..أنت ستكون ركن من أركانها .

......................

بالطبع اّا فهمت معني الحديث ..فهما يتكلمان عن عملية مخابراتية فيما يبدو ..سينفذ ميمو عملية تجسسية ..لكن الوضع ليس كذلك بل الأمر يتطرق الي أشياء لن تبد لك سهلة الا اذا خضت في تفاصيل أكثر ..عرفت انا بعض هذه التفاصيل والباقي أستتنتجته من الاحداث التي تجرى في البلاد الأن ..ميمو ركن من اركان هذه الاحداث ...بالطبع قارئي العزيز قد تقول ..أها عرفت ميمو هو الطرف الثالث ..لو ظننت هذا ..أاسف علي ذكاءك ..لأنني شخصيا لا أعترف بالطرف الثالث الا اذا ظننت في نفسك أنني " الحاجة نبيلة " الذى اتصلت بخيرى رمضان يوما ما وقالت له ..مصر بتتحرق ياخيرى ..أهىء اهىء ..

.........................

الحقيقة أن ميمو كان ومازال ترسا من هذه الدولة التي أسستها الأجهزة الأمنية ..في يوما ما سأحكي لكم عن تلك الدولة ..بتفاصيلها المملة أحيانا والمثيرة أحيانا أخرى ..أدعو الله الا أموت الا اذا فككت هذه الدولة كفرط مسبحة علي الأرض ساعتها سيكون ميمو كثلج في القطب الشمالي تضرر من الأحتباس الحرارى ...

...............

لن أجعل ميمو تيمة انسانية ..لن أتحدث عن حياته الشخصية لأنني ببساطة لا أعرفها لكني سأتحدث عن تفاصيله العملية التي درستها لشهور متواصلة ، خلسة احيانا ، بالأحتكاك المباشر به احيانا أخرى ..

....................

الحقيقة أنني سأؤجل الحديث حينا عن دور ميمو التفصيلى ..لأيام مقبلة ..بالطبع حتي تشتاق الي ميمو ..ولكني سأرهقك عزيزى القارىء بتفاصيل أخرى قد تبدو للك مملة ولكنها ستكون لك نبراسا لشخصية ميمو الحقيقية ..

نبدأ في تفصيلة من هذه التفاصيل :
في شارع شامبليون ، حيث وسط البلد ، ميدان التحرير ، ذكرى الشهداء والمصابين تفوح في رائحة الجو ، مقهي البورصة لمن يعرفها من المتسكعين أمثالي ، بنات وشباب جالسين أحيانا علي هذه القهاوى ، أشياء كثيرة وتفاصيل أكثر في هذه الشوارع ..كانت هناك ..وكالة أخبار تركية .

يومها كدت اطير فرحا لأنني سأعمل بها .. اخيرا حلمت بها ونلت هذه الفرصة ..أخذت الكارت من أحد القريبين من ميمو شخصيا وقال لي ..أبسط ياعم انت هتشتغل في الوكالة دي ..
صرت الي هناك وصعدت في المصعد الي الدور الثامن ..وقابلت السيدة سوزان مسئولة القسم السياسي هناك وقالت لي بالحرف " انتي شاطرة كتير وهترتخي هنا كتير ..المعاملة هنا ماني ونفوذ " ..اها نسيت أن اقول لك ان سوزان هذه ليست سيدة بالمعني الحرفي ولكنها فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها كانت تعيش في أزمير التركية تخرجت من جامعة الإعلام في جامعة اسطنبول والتحق فور تخرجها بهذه الوكالة في القاهرة ، ولكنهم يصرون علي اطلاق لفظة السيدة كأحد الفاظ بروتوكلات العمل هنا ..

حسنا ..يبدو أنني سأقع في غرامها يوما ما ..لكي أنسي الصندل الذى كنت أحبه ...دائما القصة هكذا في الأفلام العربية..
مر يومان ثلاثة خمسة شهرين ثلاثة أشهر ..وفي يوما ما بعدمرور ثلاث أشهر حدث ما لم يكن في الحسبان فعلا ....

.......................................

الصورة جزء من شارع شامبليون أثناء الثورة