الأحد، 12 سبتمبر، 2010

ماذا تختار ؟


الان .. انتهينا من الصيام ومن رمضان ومرت الايام الحلوة سريعا وعدنا الي النشاط التدويني مرة اخري ولعلنا استفدنا في رمضان علي جميع المستويات سواء الروحانية او الفكرية او حتي علي مستوى المسلسلات لمن تابعها ..بالنسبة لي لم اتابع المسلسلات لانشغالي بامور اهم وافضل ولكني تابعت مسلسل شيخ العرب همام لانه كان يصادف ميعاده الافطار فتابعته باهتمام تاريخي بحت واحترمت الكاتب كثيرا عندما كتب في المقدمة انه خلط التاريخ بالخيال ومزج الاساطير الشعبية بالحقائق التاريخية ..هكذا تكون الامانة ولا احترم الكاتب الذي يفترى الحقائق التاريخية لمجرد ان ذلك يصادف هواه ومعتقداته ..

علي اية حال تابعت القصة الحقيقية لهذه الشخصية الفريدة واثرت ان اكتبها في تدوينة كاملة حتي نتعرف عليها سواء تابعنا المسلسل ام لا ..اما عن ملامح الشخصية فهو الشيخ همام بن يوسف بن احمد الهوارى قال عنه الجبرتي في كتابه
انه عظيم بلاد الصعيد من المنيا شمالا حتي اسوان في الجنوب ..ومعني ذلك انه اسس ما يشبه دولة منفصلة وشبهها البعض بالجمهورية ولكن في رأى د لويس عوض وهو احد كبار المؤرخين لهذه الفترة ان فكر همام والهوارة لم يرتق الي هذ الفكرة مطلقا ..

كان همام بطبيعة صفته انه كبير وعظيم هوارة ملتزم للاراضي الزراعية ولمن لايعرف الملتزم هو من يملك الارض وضرائبها نيابة عن الدولة العثمانية في مقابل ولاءه ودفعه للا لتزام او الضرائب التي تقررها الدولة عليه كل فترة
اذن نفهم ان همام امتلك اراضي شاسعة للغاية في الصعيد حتي انه اقطع لعائلته الكثير منها وكان يدير هذه الاراضى جيش من الموظفين التابعين له ..

اما عن اصل هوارة فهي قبائل عربية جاءت من المغرب العربي في عهد السلطان برقوق وسكنوا اقطاعية البحيرة اول الامر ثم عندما تبين مشاغبتهم للحكومة المملوكية قضت الحكومة ان تنقلهم الي الصعيد فسكنوا فرشوط ومن حولها وزرعوا قصب السكر وادر عليهم اموال لاحصر لها نظرا لاهمية هذا المحصول سواء في العهد المملوكي او العثماني
وكان الهوارية في نزاع دائم مع الحكومة خاصة من المماليك وذلك لاسباب كثيرة ساذكرها بعد قليل حيث قاموا بثورات شتي علي الحكومة في القاهرة حتي عهد طومان باى اخر سلاطين المماليك الذى واجه العثمانين في معركة الريدانية ورفض الهوارية ان يحاربوا مع طومان باى لسببين :اولهما حقدهم علي المماليك وثانيهما خوفهم من انتصار العثمانيون وكان هذا المتوقع منهم لسير المعارك فاثروا عدم التدخل في النزاع ليكونوا رجال العهد الجديد وبالفعل انتصر العثمانيون وحالفوا الهوارية وتركوا لهم التزام الصعيد علي ان يكونوا تحت امرة والي جرجا التي كانت اعظم بلاد الصعيد انذاك..

همام الذى يتميز بقوة الشخصية والكرم والشجاعة والانفة والعزة والكرامة وكره المماليك كانت تلك الصفات في هوارة وقبائل العرب عموما وكانت هذه البائل ترى انها احق بالملك منهم اي المماليك ..

كان همام والهوارة ينظرون الي المماليك انهم لقطاء لا اصل لهم جلبهم الايوبيون ليكون خدما في الجيش ثم ارتقوا حتي اصبحوا هم السادة واصبح المصريين هم العبيد احسانتهم ..كان همام يدرك ذلك ومن قبله يدرك ذلك بل ان القبائل العربية تدرك هذه الحقيقة وتعامل المماليك علي هذا الاساس وكانت اولي الثورات التي قامت ضد الدولة المملوكية في مهدها وكادت ان تنتصر الثورة وتؤد الدولة في قبرها هي ثورة حصن الدين ثعلب التي قامت في عهد السلطان الاول للدولة عز الدين ايبك وتعامل معها الجيش المملوكي بعنف شديد حتي انهم علقوا مشانق كثيرة لاحصر لها للثوار وقضوا عليها بشدة كبيرة وهذا يعني ان المماليك يدركون ان العربان هم اشد وانكي من اعداء الخارج وهم اي العربان من يدركون اصل ونفسية المماليك وهم من عندهم المقدرة علي ايلام هذه النفوس ..

يمثل همام الوطنية المصرية حيث انه يعتبر من اهم الشخصيات التاريخية في العهد العثماني التي تمثل هذا التيار
الساخط ضد المماليك الذين كانوا يمثلون طبقة اولاد الناس الحاكمة ..نعم لا تندهش مصطلح اولاد الناس ذكره ابن تغري بردى في كتابه عندما تناول المجتمع المملوكي وذكر ان العامة اسمهم الرعاع الحرافيش اه والله العظيم ..
هل عرفت الان الفرق الحقيقي بين مارينا وشرم وبين بولاق واسطبل عنتر ..
الحكاية لها اصل تاريخي موجع من ايام المماليك واظن ان المماليك نسلهم لم ينقطع وان اولاد الناس يتحكمون ويحكمون وعلي نفس الرعاع يكتمون ..

همام فرض شخصيته علي المماليك وفرض قوته وصداقته احيانا عليهم حتي احترموه ولكنه اصطدم باحلامه باحلام رجل قوى وشديد يدعي علي بك الكبير وتلميذه محمد بك ابو الذهب وكان علي بك يخطط بالانفصال نهائيا عن مصر بالاتفاق مع القيصرية الروسية اشد اعدائ خلفاء اسطنبول العثمانيين اصحاب السيادة علي مصر وعلي بك كان نائبهم الخائن
كان ولابد ان يقضى علي همام وينتزع الصعيد وهمام كان يدرك ذلك واثر ان يقاوم حتي النهاية ضده وبالفعل انتصر همام في اول الامر ولكن الخيانة كانت له بالمرصاد من ابن عمه الشيخ اسماعيل الهوارى الذى احب ان يكون هو شيخ العرب وكانت الطامة الكبرى بعد انهزام الجيوش الهوارية ومات همام بن يوسف هما وكمدا بفعل الخيانة والهزيمة
وضاعت مملكته من بعده ولكن لم يضيع نسله حيث احفاده الان يملئون قرى ومدن الصعيد ولا ادري ضاعت نفسية همام بين المصريين وهل المصريين ينظرون الي انفسهم انهم الرعاع الاوباش الحرافيش كما كان المماليك يلقبونهم ام ينظرون انهم احق بالملك منهم ؟
ماذا تظن انت ؟
ماذا تختار ؟
المراجع : الصعيد في عهد شيخ العرب همام
د ليلي عبد اللطيف
كل عام وانتم بخير