السبت، 13 نوفمبر، 2010

مقصلة الخراف


بالطبع عيد الاضحي له ذكريات جميلة معي حتي وقت قريب قبل ان تنقلب الاوضاع والاحوال ..اشعر انني كئيب نوعا منذ فترة ..الكل يعلم هذا في محيطي الاسرى واشعر بذلك الامر من مكنونات نفسي ..المهم انني اتذكر عيد الاضحي بشكل يثير هذه الكئابة ..اسمع احدكم يقول لي انني سأكتب كاّبة في هذه التدوينة ..لن اقول لك انت تحكم بنفسك في اخرها اذا كانت كئيبة ام مفرحة مبهجة لك ..علي اي حال التاريخ ليس فيه هذا ولا ذاك لانه ببساطة يطرح عليك سير الاولين التي هي بين الفرحة والحزن كحال الجميع من البشر ..هيا بنا ..الكل متواجد ام ماذا ؟؟ هناك شخص لا يريدني اقص ..حسنا لن افعل اذا كنت تريد ان تتركني وتذهب انت حر ..

الحقيقة وانا صغير كنت احب عيد الاضحي جدا ..بهجة فرحة واضحية ولحمة وفتة والباقي كلكم تعروفنه...حتي هذه الذكرى التي تثيرفي نفسى شجون وحزن عميق .. البعض يعتبرونه بطل والبعض يعتبرونه خائن ويستأهل الذى كان لان هذه الطبيعة المفترضة لهذا الشخص ..صدام حسين ..بالطبع لن اقول عنه انه بطل لانني غير مقتنع ببطولته بنفس ذات الاقتناع الذى يمنعني ان اطلق عليه لفظة خائن ..انما هو انسان ..تجرى عليه قوانين الانسانية اخطأ كثيرا واصاب ايضا ..احبه شعبه او جزء منه وكره الجزء الاخر ..لن اخوض في سيرة الرجل فهي معروفة وقد نفصل لها حديث اخر
ولكن الذى اتذكره عندما استمع الي اسمه انني بكيت عندما اعدم في اول ايام العيد ..

هل كانت تقصد اميركا اعدام صدام حسين في هذا التوقيت ..لا اعلم ولكن الواضح انها تقصد ..اتذكر هذا اليوم جيدا ..ارتديت ملابسي وذهبت لاصلي العيد ..لم استمع الي الخبر الا بعد الصلاة ولكنني لاحظت شىء غريب اثناء خطبة العيد ..وجدت ان الخطيب وكانه علي وشك البكاء وكانت خطبته كعادتها دائما من هذا الخطيب ملتهبة ساخنة ..يخطب دائما ويخلط بين امور الدين والدنيا ليفهمنا الحقيقة كاملة ..وجدته في اثناء الخطبة يقول تذكر عندما تضحي بعد الصلاة ان لك اخوان لك في شتي بقاع الارض يذبحون وينكل بهم ..تذكر الدماء التي تسيل واخوانك الذين لايجدون الفرحة والبهجة ولا لحم الاضاحي ..تذكر اننا الان في امان ..ولا تأمن غدا ماذا فاعل بك اعدائك ..

الحقيقة انني تعجبت وقلت لنفسي اهذا وقته ياعم الشيخ ليه الحزن والعكننة ؟؟ ولكن عندما خرجت من المسجد وجدت بعض الناس يتداولون فيما بينهم اقوال واخبار عن اعدام صدام بين منفي لها وغير مصدق وبين مؤكد ..اسرعت الي البيت وفتحت التلفاز علي قناة الجزيرة لاجد الخبر ووجدتني بكيت ..شعرت بأن احدا ضربني علي قفاى واخرج لي لسانه وانا انظر له ولا اجد طريقة للتنكيل به ...

بالطبع ذكرى سيئة ولكن اتركوا هذه الذكرى وان كان طيفها سيكون عندك في بقية السطور واتركوا قفا العبد لله لانه الان احمر اللون من كثرة الاحساس بالخزى كل يوم واتركوني لذكرياتي الحزينة لنذهب الي التاريخ سريعا ..

دولة المماليك تلفظ انفاسها الاخيرة ..المماليك الذين انجزوا اعظم المنجزات التي لاقبل لاحد بها علي الاطلاق ..طردوا الصلبيين من الشرق ..انتصروا علي المغول ..احيوا الخلافة العباسية مرة اخرى في القاهرة بعد مقتل الخليفة العباسي في بغداد المحتلة من المغول انذاك ..بنوا امبراطورية عريضة ..انها بحق دولة عظيمة الامجاد وعظيمة الاخطاء ايضا ...لست بصدد امجادها ولا اخطائها فهي ككل شىء تخضع للتجربة البشرية ..والبشر دائما يخضعون للخطا والصواب ..
هل تتخيل معي نهاية هذه الدولة ؟؟..نهاية طبيعية لاى شىء الموت حتي للدول ..ولكن تسقط الدول والميتة ليست بالواحدة لانها تختلف في الثقافات والاحداث ونوعية القاتل وشخصية المقتول ..

طومان باى اخر سلاطين المماليك ..مسكين هذا الرجل ..ماذا هو فاعل امام الجحافل العثمانية التي هي علي الابواب ..انتصر العثمانيون علي المماليك قبل تولي طومان باي بحوالي سنة حيث انتصر العثمانيون في معركة مرج دابق 1516 علي السلطان قنصوة الغورى الذى مات في المعركة بعد سقوطه من علي حصانه واصبح الطريق مفتوحا امام القوات العثمانية للاستيلاء علي الشام ثم مصر ..

الحال في مصر سريع الوتيرة من حيث الغضب والخوف والقلق او كل هذه الاشياء مجتمعة في كلمة واحدة "غدا" ..
ماذا يحمل غدا للمصريين ؟؟ هل انتهي دور المماليك للابد ام ان هناك امل في البقاء ..اجتمع المماليك ليجدوا حلا ..وجدوه في طومان باي لكي يتولي السلطة ويكون له هدف واحد فقط وهو الانتصار علي العثمانين والبقاء للدولة المملوكية ..موقف صعب لطومان باى ..هل كان كبش فداء ؟؟مجرد كبش ..ام ساقه القدر الي نصيبه المحتوم ؟؟

الحقيقة ان طومان باى شجاعا ..مجرد ان يقبل في مثل هذه الظروف والنتيجة معروفة سلفا يجعلك تسلم بهذه الحقيقة
واجه طومان باى العثمانيين وحاربهم عند الريدانية في يناير 1517 اواخر ذى الحجة 923 هجرية وهزمت الجيوش المملوكية وكان علي طومان باى ان يواجه مصيره المحتوم ..

دخل السلطان سليم الاول القاهرة ليفتح امام مصر عصر جديد ...يعتبره المؤرخون بداية انهيار الحضارة العربية وهذا صحيح الي حد بعيد ..ولكن ننظر بشىء من الحيادية الي الدولة العثمانية التي دافعت عن الدول الاسلامية في عصر الكشوف الغربية والنبرة الاستعمارية المواكبة في هذا العصر بل انها بادرت الي مهاجمة اوربا والاستيلاء عليها ..علي ايه حال كانت لها مجادها العظيمة بقدر اخطائها الاشد عظمة .. القاهرة الان اصبحت جزء من امبراطورية ال عثمان
وانتهت دولة المماليك العظيمة الي الابد ..

كما ان هناك زفرة العربي الاخيرة في الاندلس كما يسميها الاسبان والمقصود بها بكاء اخر السلاطين العرب هناك علي ملك لم يحافظ عليه ..كانت هناك زفرة المملوك الاخير ..ولكنه لم يكن بكاء بقدر ما كان مقاومة شرسة تجلت من طومان باى السلطان الاخير ومامعه من جنود قاوموا السلطان واستمرت حرب شوارع لمدة اسبوع كامل ..كانت المقاومة شرسة لدرجة ان المصريين شعروا بان الدولة المملوكية قادمة من وراءالخنادق وفي وسط الشوارع ولكن للعثمانيين رأى اخر ..

هرب طومان باى بعد هزيمة المقاومة الي اقليم البحيرة الملىء بقبائل العربان واحتمي بهم ولكن بعد قليل نجد طومان باي في قبضة القوات العثمانية ..الخيانة تلعب دورها هنا ومن البداية هناك مايسمي الطابور الخامس من القدم الي حين كتابة هذه السطور تقوم بدورها علي اكمل وجه وتقود شعوب الي الهلاك ..انها الخيانة ..ولكن للتحدث عنها وقت اخر لم يحن بعد ..


"إن الأنفس التي تربت في العز لا تقبل الذل ..وهل سمعت أن الأسد يخضع للذئب؟ أنتم لستم أفرس منا ولا أشجع منا وليس في عسكرك من يقاسيني في حومة الميدان"..هذه كلمات طومان باي للسلطان سليم الاول ..اعلنها واضحة انا لايخاف الموت ..شنق طومان باي بعدها علي باب زويلة وحزن المصريون حزنا عميقا وترحموا عليه وقدره شجاعته وصدقه في المقاومة وكرهوا من خانه ..

بالطبع من الممكن ان تتهموني الان بالمقارنة بين طومان باى وصدام حسين ..هذا ليس بالمقصد ..ولكن الفعل واحد ..الخيانة واحدة ..الميتة واحدة ..الشنق واحد ..والتاريخ يتشابه برغم الظروف والاحداث ومقتضيات كل عصر وظروفه
وحزن الكثيرون في الحالتين ايضا ..

بالطبع صدام كان ديكتاتورا شرقيا كما ينبغي ..طاغية من طواغيت العرب ..لكنه في النهاية انسان ..هناك اناس احبوه وهناك كرهوه ولكنه يبقي انسان ..طومان باى ايضا كان انسان وراح ضحية دولة انهارت ..وظروف عصر جعله قائدا ومنقذا لدولة شاء الله ان تنهار في هذه اللحظة لتقوم غيرها ويسير التاريخ بهذا الشكل في مجراه المقدر له ..

اعدم صدام ..ومن قبله طومان ..ومن قبلهما الكثير ومن بعدهما الاكثر فيما يبدو مادامت الارض تدور ستجد دوران الخير والشر ودوران القوة والضعف ..وستجد الضعيف والقوى وستعمل المقصلة بكل قوتها في ذبح الخراف طبعا ..


سأريحكم مني الي مابعد العيد
كل عام وانتم بخير