الثلاثاء، 12 أكتوبر، 2010

رباعيات


موسيقي في الافق تسمعها علي مهل ..تسمعها وتتعجب هي مزيج من شجن خفي وصوفية عليا ممزوجة بصوت رخيم يغني في الافق ويسكرك من نشوة الاستماع اليها ..رائحة البخور تملأ المكان تشمها تشعر انك في مكان ما في الجنة وتنظر حولك لعلك تجد من ملذات الجنة التي سمعت عنها كثيرا ..تنظر حولك مرة اخرى لاترى الا انك امام سيرة رجل
جعلك تشعر بكل هذا ..ان للشخصيات سحرها الخاص ..تنظر في عين الشخص تسبر اغوار نفسه تشعر بما يشعر ..تحب مايحب ..تشدو مايشدو هو ..تسمع مايتلوه عليك ..تشعر باللذة ..تشعر انك تطير علي ظهر عنقاء الي الافاق ثم الي الافاق الكوني الواسع ..
لتجد نفسك في بيتك لم تغادره ..انه سحر وخدر لذيذ يتسرب الي نفسك تشعر معه بانك جاوزت السنين والعقود والقرون حتي تصل اليه .....

سمعت صوتا هاتفا في السحر ....... نادى من الحان :غفاة البشر
هبوا املأو كأس الطلي قبل ان ........ تفعم كأس العمر كف القدر

نيشابور ..او مدينة نيسابور الايرانية حيث يرقد الرجل تذهب الي ضريحه تشم رائحة التاريخ الممزوج بالسحر والفلسفة والرياضيات والحكمة مع الصوفية انها معني واحد فقط متمثل في شخص اجاد كل هذا واكثر حتي نسجت حوله القصص والاهازيج والاساطير الخاصة الا وهو "غياث الدين ابو الفتوح عمر بن ابراهيم "
او عمر الخيام ..

وكم توالي الليل بعد النهار .....وطال بالانجم هذا المدار
فامش الهوينا ان هذا الثري ....من اعين ساحرة الاحورار

عمر الذى اتم السابعة عشرة او يزيد قليلا في نيسابور مسقط رأسه وقد درس التاريخ والفلسفة والرياضيات والموسيقي واستوعب اراء الفلاسفة الاغريق ودرس كتاب القانون في الطب لابن سينا الطبيب الاشهر انذاك
كان شابا طموحا يحب العلم ويبجله ويريد ان يصل بعلومه لا الي ارفع المناصب بل الي معرفة ذاته وكيفية حياته
التي تمت وكيف ينهيها ..كان دائما ما يتهم عمر في رباعياته المشهور بها انه متشائم من الحياة لدرجة الالحاد والكفر
ولكنه كان يرى في الحياة من المتاعب ليكتب ذلك في شعره ..

يعرف انه ايضا رياضيا فذا حيث انه اسس نظريات المعادلات ذات الحدين من الدرجة الثالثة واول من ادخل علي مصطلح الشىء في الرياضيات والتي ادخلت في الاسبانية عن طريق العرب في الاندلس واصبحت xay
بل انه فيلسوفا رائعا كذلك وبضياع كتبه في الفلسفة ضاعت علي الانسانية الكثير من نظرياته الفلسفية والرياضية التي كانت من الممكن ان يستفاد منها البشر الي الان ..

نلبس بين الناس ثوب الرياء ....... ونحن في قبضة كف القضاء
وكم سعينا نرتجي مهربا .........فكان مسعانا جميعا هباء
اصفهان جهان ..او بالعربية اصفهان نصف الدنيا كما يترجمها امين معلوف في روايته الرائعة سمرقند التي تحكي حياة الخيام بشىء من الواقعية الممزوجة بالخيال ..ينتقل الي اصفهان حيث السلطان السلجوقي ملكشاه ووزيره نظام الملك صديق عمره الذى تولي الوزارة والذى اكرم وفادة الخيام واقطع عليه مبلغ كبير ليتفرغ لعلومه وربعياته التي اشتهرت في الافاق والتي كان يكتبها بالفارسية ..

عمل في مرصد اصفهان للفلك وابدع في اختراعات كثيرة اشهرها عمل التقويم الفارسي الذى يفوق بدقته التقويم الميلادي الحالي

يانفس ماهذا الاسي والكدر .....قد وقع الاثم وضاع الحذر
هل ذاق حلو العفو الا الذى ...اذنب والله عفا واغتفر

الخيام الذى اتهم بالكفر ..انها التهمة الجاائرة الجاهزة في جعبة الفقهاء المتشددون في كل الازمنة ليلقوا بها علي من يشاء من العباد ..الخيام اتهم بالزندقة والكفر بسبب اراءه الفلسفية الحادة بعض الشىء ..كان دائما يمزج الصوفية بالتشكك وهذا واضح في رباعياته التي يتناقلها الناس مما جعله في نظرهم انسان كافر ملحد لا يستحق الا القتل ..ولكن الخيام الذى نأى بنفسه من المواجهة ذهب الي مكة حاجا واصبح انسانا اخر منذ ان رجع من هذه الرحلة المقدسة ..

يعتبر الخيام فيلسوفا ذو مذاق خاص وهذا يعرف من رباعياته الشيقة التي يمزج فيها نظرته الي الحياة ونظرته ايضا
الي الاخرة والبعث والنشور حتي انه ادخل علمه الفلسفي الذى اكتسبه من قراءته الفلسفية من الفلسفة اليونانية والعربية الاسلامية التي سبقت عصره كما انه اوضح في هذه الرباعيات ان الله هو القادر فقط وان الانسان ضعيف لايملك حتي اهون الاشياء ولايملك لنفسه ضرا او نفعا بل انه لا يملك شيئا الي الدعاء والابتهال الي القوى المحبوب وهو الله ..وكانت لفظة المحبوب التي اطلقها علي الله فيها من النزعة الفلسفية الصوفية العليا التي اكتسبها من المذهب الصوفي الباطني المنتشر في ارجاء ايران في ذلك الوقت والتي كان ينجذب اليه النس تحت قيادة صديق عمره الحسن بن الصباح الذى اسسه ..

احس في نفسي دبيب الفناء ..ولم اصب في العيش الا الشقاء
ياحسرتا ان حان حيني ولم..... يتح لفكري حل لغز القضاء


يامن الهبت نفوس العشاق ونفوس الفلاسفة حتي اوجدوك في نفوسهم منزلة المتشكك والملحد والكافر تارة وتارة اخري اوجدوك في انفسهم انك مصل حاج موحد بالله ولايشوب ايمانك شائبة ولكني متأكد تمام التأكد عندما اقرأ رباعياتك انهل منها كأنها خدر يسير في دمي ووجداني ولايهم من تكون والي اي دار صرت ...

ترجمت ربعيات الخيام الي كثير من اللغات ولكن اذا وجدت في العربية وجدت الاختلاف والتباين في مقدمات الترجمة ونظرة المترجم والناقد الي اعماله تجد احمد رامي الشاعر الغنائى المصري اشهر من ترجمها وقدمها الي الاعمال الغنائية الي ام كلثوم يقول في مقدمته في كتابه الاشهر رباعيات الخيام :

"حار الادباء في فهم الخيام فمنهم من عده مستهترا يهزأ من الاديان ولا يعتقد بالبعث ومنهم من انزله منزلة الصالحين
وعده طاهر الذيل راسخ اليقين علي ان الخيام كان جبريا يعتقد ان الانسان تسيره قوة خفية لا يملك دفعها ولا تدع له فرصة الاختيار بين النافع والضار "

وهكذا وضع الخيام من وجهة نظر رامي انه جبريا ينتمي الي هذه الطائفة التي تؤمن ان لكل شىء في الحياة قوة خفية تسير بمشيئة عليا ويكمل احمد رامي فيقول :

" انه بالرغم من مما يظهر في رباعياته من الشك في امر الحياة والموت موحد يؤمن بوجود اله الكون مؤد لفريضة الحج مواظب علي الصلاة ،غير ان الكثيرين ناصبوه العداء بسبب رباعياته التي لم تعجبهم وهددوه بالقتل فلزم الصمت طويلا "

كان عمر في خواتيم حياته منعزلا عن الناس لايريد ان يدرس علمه للناس ويعتزل عن البلاط الملكي الذى عرض عليه ولاية نيسابور فرفضها بحجة انه لاريد ان يتحكم في الناس بل يريد ان يعينهم علي فهم الحياة اكثر من ذلك ..
اعتزل عمر الحياة نفسها حتي موته في مدينته نيشابور التي احتضنته وقست عليه ودفن فيها ..

ضريحه الذى يلوح في الافق جميل المعمار ..يزوره الناس تختلط رائحة التاريخ بالسحر والفلسفة المكمونة داخل الضريح هيبة من الرجل الذى الهم الفلاسفة بعده الي كنه الحياة وكنه انفسهم ...

يا عالم الاسرار علم اليقين ...ياكاشف الضر عن البائسين
ياقابل الاعذار فتنا الي... ظلك فاقبل توبة التائبين


المراجع : رباعيات الخيام ، ترجمة احمد رامي
ويكيبيديا الموسوعة
الجزيرة نت ، المعرفة