الثلاثاء، 9 نوفمبر، 2010

رأس ام قاعدة ؟؟؟


من اين ابدأ ؟ هل ابدأ من النهاية ..ام من البداية ..ام من تجربة خضتها في هذا المنوال ..ام ماذا ؟؟..الموضوع ليس بالسهل ..كبير وواسع متشعب قد اتوه فيه واغرق في طياته وفي امواجه العالية ..ناقشه من هو اجدر لذلك ..من هو اهم مني بالطبع ..هذه السطور التي تقرئونها مني دوما ماهي الا وجهة نظر شخص بسيط له تطلاعته المجنونة في الحياة قد تجدون ما اكتبه نافعا ...حسنا اذا اعتبرت ان ما اكتبه نافعا فلن تجده كذلك من اجل المنفعة او ذاتها وجوهرها بل انني احاول قراءة التاريخ والتجارب الانسانية بشكل شخصي ..يقولون دائما ان التاريخ ماهو الا كتابات من وجهة نظر شخصية ..لو انني اعتقد في العلمانية لكتبت شىء ينحاز اليها ..لو انني ذو نظرة اسلامية سأكتب بنفس النظرة وقس علي ذلك كل الاتجاهات والافكار ..لذلك انا اكتب بشكل شخصي بحت قد يكون خطأ او صواب .. ولكنني الشىء الوحيد الذى سأتذكره عندما اشيب لو اعطاني الله من العمر واقرأ هذه السطور انني سأضحك كثيرا ..

الحقيقة ان هذه التدوينة قد اجد فيها من "المطبات الفكرية " كما اسميها ما يجعل البعض ان يشتبك معي في قضية فكرية اعترف انني لست مستعدا للاشتباك ولست مؤهلا لخوضها لانني ببساطة املك عمرا لا يجعلني ان اقرر ان هذا خطأ او صواب ..علي ايه حال نترك مايجيش به عقلي من افكار الي قصة واقعية قد تكون مدخلا لهذه التدوينة ولكن قبل القصة لابد لي ان ابدأ ولكن الاهم من اين ؟؟

الحقيقة وان تقرأ في القراّن الكريم "ان الله لايغير مابقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم " تصعق من الحال والاحوال التي نعيشها لن اخوض في تفاصيل الاحوال فهي بارزة للعيان ..ولكن اصدم بسؤال هام من اين نبدأ هل الرأس ام القاعدة
هل بداية التغيير من رأس الحكم والنظام ام من الشارع؟؟ .. اسئلة صعبة للغاية علي عقلي المتواضع ولكنني عندما فكرت وقرأت في هذا الموضوع تذكرت قصة حدثت فعلا لي ولصديقي ...

"يعوج الشرقي بأنعوجاج حاكمه ويستقيم اذا هو استقام ..لاينطبق علي الشرقيين قول ( مثلما تكونوا يولي عليكم ،بل حق عليهم قول (مثلما يولي عليكم يكونوا )" ..قالها جمال الدين الافغاني ..هذا الرجل الذى قيل عنه انه شيعي ويخفي ..قيل انه يريد الفتنة بالبلاد الاسلامية ..هذا الرجل الذى طاف ببلدان المسلمين في وقت كانت الدولة العثمانية تنهار امام الضغوط الاستعمارية ..هذا من فجر طاقات رجال اتوا من بعده قادوا بلدانهم الي فكر يستمر الي الان منفعلا ومتفاعلا مع العصر ..هذا الذى كان يرى ان الاصلاح يأتي بشكل فوقي ..اى انه الي حد كبير مؤمن بمقولة عثمان بن عفان الخليفة الراشد بأن الله ليزع بالسلطان مالايزع بالقراّن ..كان مقتنعا بها الي حد كبير ..

يشكل جمال الدين الافغاني مدرسة مستمرة الي الان تقول ان التغيير يأتي من النخبة ..يأتي بتغيير القادة والزعماء وابدالها بقادة يؤمنون بالشورى والتغيير ..جمال الدين الافغاني عندما كان في مصر ايام الخديوى اسماعيل ..هذا الخديوى الذى كان يفعل مثلما فعل اتاتورك بتركيا كان يرد انسلاخ مصر من هويتها بأدخال النموذج الغربي الي البلاد بدون وعي حتي انه امر علي باشا مبارك بتخطيط القاهرة علي الطراز الباريسي وهدم بعض الاثار القاهرية التي كانت تشكل عائقا كبيرا امام مشروعه ..

حسنا ..جمال الدين كان في هذه الفترة كان مغانطيسى الشخصية ينجذب اليه من هو في نفس عنصره من الشباب المتحمس للاصلاح والتغيير امثال محمد عبده وسعد زغلول ..بل ان ولي العهد توفيق كان منغمسا في هذه الاجتماعات
في هذه الفترة كانت مصر مهيأه الي ثورة شديدة للغاية بقيادة احمد عرابي الذى استفاد بشكل او بأخر من افكار الافغاني ..بل ان محمد عبده الذى انضم الي الثورة اعطي لها حركة كبيرة بالرغم من اختلاف احمد عرابي معه في نهج الثورة وتسمية الانجليز انفسهم لمحمد عبده رمز التيار المعتدل داخل هذه الثورة ..

اذن مصر تعاني من ظلم شديد اجتماعيا واقتصاديا ..ظلم بين صفوف الجيش بسبب سياسات عثمان رفقي وزير الحربية الشركسي الاصل ..الخديوى وسياساته الحمقاء التي جلبت تدخلا اجنبيا بشكل يثير حنق المصريين ..اظن ان هناك فرق بين الغضب والثورة ..كان جمال الدين الافغاني يعمل علي تحويل الغضب الي ثورة وقد نجح بالفعل حتي اسماه البعض بالاب الروحي للثورة العرابية ..

الافغاني نجده قبل قيام الثورة ينفي بعيدا عن مصر الي الابد بضغط علي الخديوى توفيق الذى تولي الحكم بعد اقصاء ابيه اسماعيل ..توفيق كان دائما ينظر الي اقصاء ابيه في جميع تصرفاته ..كان ولي العهد توفيق متحمسا لافكار الافغاني حيث اقنعه الافغاني بأفكاره بضرورة التغيير وادخال الشورى كمنهج لابد لمصر ان تعمل به ..صحيح ان الشكل الديموقراطي الحديث دخل الي مصر 1866 بأنشاء مجلس للنواب في عهد اسماعيل لكن اسماعيل جعله ديكورا وخلفية جميلة لمسرح اراده هو ليبهر عيون السياح والاجانب ..

بالطبع تغير توفيق وعندما ذهب اليه الافغاني ليذكره بموعوده بالتغيير تغير عليه ومن ثم نفاه الي الابد ..الافغاني كان مقتنعا بالتغيير الفوقي ..نتخيل انه كان من الممكن سماع هذه الافكار وتحويلها علي يد توفيق لكان تغير الوضع كثيرا ولكن سبق الاحتلال وسبقته رغبة توفيق في اطاعته وسبقته طغيان الحكم علي اي رغبات اصلاحية ..

نترك الافغاني في منفاه ونذهب الي مشهد في غاية الغرابة حدث لي في بداية التحاقي بالجامعة .. كنا حوالي 8 اشخاص في شلة الجامعة ..كنا مجتمع غريب للغاية ..تجد الليبرالي وتجد الغني الذى لا يهمه احدا سوى لون السيارة واشياء لايهم سردها وتجد النموذج العادى الذى يشبه جموع الشعب العامل وهذا انا ثم تجد المتدين والملتزم المتأثر بالافكار السلفية وتجد المتدين المتأثر بالاخوان الي حد كبير وعند هذا اتوقف قليلا ...

كنت انا وصديقي احمد المتأثر بالاخوان بحكم ان عائلته اخوانية وعمه من القيادات البارزة في منطقته اصدقاء بمعني الكلمة يعرف عني كل صغيرة وكبيرة وانا بالمثل ..كنا في فصل واحد في الثانوية العامة والتحقنا بكلية وقسم واحد ايضا ..يعتبر احمد مؤثرا في بشكل كبير ..اعطاني من وقته من اجل هدف في ذهنه ان يجعلني ملتزما اكثر ..حيث انني من كنت في هذه الفترة لست ملتزما بالقدر الذى كنت فيه غير منحلا ولا متحررا ولكنه رأى من الواجب ان يدعوني الي الالتزام وخصوصا مواظبة الصلاة والاشياء الاخري التي لابد لاي مسلم فعلها ..الحقيقة انني تأثرت به للغاية واصبحت علي الاقل مواظبا للصلاة ولله الحمد وعبادات اخري كثيرة لم اكن افعلها ...

في يوما من ايام 2005 ..قال لي ما رأيك بفلان ؟؟قلت له عادى ..قالي بيكلم بنات وبيمشي معاها وبيشرب سجائر مش واجب نقوله ان دة غلط ..قلت له : عندك حق دة كل يوم مع واحدة شكل وبيشرب سجاير كتير ..قالي عارف انا هنصحه وخلاص بس ممكن يزعل ..قلت له مش هيزعل حتي لو زعل هتبقي حاولت واجرك علي الله ..

بالفعل ذهبنا الي هذا الشخص وبلغه احمد النصيحة وقبل ان ينصرف قال لنا بكل جدية وفي نظرته لمعان غريب يوحي لك ان كلامه نابع من اعماق قلبه :" عارف يا هيثم انت واحمد لو الاخوان مسكوا الحكم انا اول واحد يبطل سجاير ويبطل يمشي مع بنات " وتركنا وانصرف ..ظللنا ننظر لبعضنا البعض في اندهاش ..في الحقيقة صدمتني الاجابة بشكل كبير ..كما صدمت صديقي الذى قال لي لم اكن اتوقع علي الاطلاق هذا الرد انتهي هذا اليوم بمناقشة اخرى بيني وبين احمد من الاسكندرية الي ان وصلنا دمنهور ..مدة ساعة نتناقش في هذا الموقف الذى لم نتوقعه ...

نترك المناقشة حينا لنذهب الي جمال الدين الافغاني منفاه ..هذا الرجل لايكل ولا يمل ..حاول مرة اخرى مع شاه ايران ان يحمله علي الاصلاح ولكن لم يسمع له بالطبع لانه ببساطة يتخلي عن عرشه ..ترك ايران الي الدولة العثمانية بدعوة من سلطانها عبد الحميد الثاني الذى كان يريد انقاذ الرجل المريض واعطاءه حياة جديدة بفكرة الجامعة الاسلامية التي تبناها جمال الدين الافغاني ليلتف جميع الرعايا من داخل الدولة حول سلطانهم او خليفتهم في هذا الظرف الصعب ..

بالطبع لم تنجح المحاولة لاسباب كثيرة ليس المجال لذكرها الان ..ولكن كان الافغاني مقتنع بالحل الفوقي للامور وهو ماعارضه محمد عبده تلميذه المقرب الذى كان يرى ان الاصلاح يبدأ بالقاعدة الشعبية اولا ثم الفوقية بعدها ..واختلف الاستاذ وتلميذه حتي ان الافغاني اتهمه بالمثبط ..كان يرى الافغاني الحل السياسي هو النموذج ويرى عبده ان التربية هي الحل ..ايهما اصح ؟؟

الحقيقة كان الافغاني بحكم التربية والافكار ثوريا يرى ان السياسة والعمل بها هي الاصلاح الحقيقي اما محمد عبده كان بحكم تربيته الريفية يرى ان الشعوب بحاجة ماسة الي اصلاح ؟؟مرة ثانية نخبة ام قاعدة شعبية ..شعب يتحرك اولا ام نخبة تقدر الامور ..اليست النخبة هي من تحرك الجماهير؟؟ ..وهذا نراه في نموذج احمد عرابي التلميذ غير المباشر للافغاني وسعد زغلول التلميذ المباشر لكل من جمال الدين الافغاني ومحمد عبده..

محمد عبده الذى عارض بشدة احمد عرابي في نهج الثورة ولكن وقف معه الي اخر المطاف حتي اعتقله الانجليز ونفوه الي بيروت ومن ثم لحق بعد قليل باستاذه الافغاني في باريس حيث اصدرا جريدة العروة الوثقي الذى كان العقل المدبر لها الافغاني ومحررها عبده واودعا فيها خلاصة الفكر بين العمل السياسي والاصلاح التربوى ..رجع محمد عبده الي مصر ..اودع اصلاحاته في جريدته المنار ..اصلح القضاء الشرعي ..نفذ مشروعه الاصلاحي الذى كان يتركز علي التعليم ..اصلح بافكاره الازهر ..تعلم منه سعد زغلول واخرون ولكنهم ساروا الي النهج العلماني بعد قليل مستمدين افكاره بشكل او باخر ..تأثر به اخرون من خارج مصر حتي اندونسيا التي اخرجوا صحيفة فيها تسمى المنير علي غرار المنارة التي انشأها .. كلاهما حاول ان يصلح ولكن النهج مختلف ..ايهما اصح ؟؟


انا وصديقي تناقشنا في حوارنا ما حدث والاندهاش الذى حاق بنا ..صديقي يصر علي رأيه ان ماحدث ادهشه للغاية ..وانا شعرت بذات الاندهاش دار حوار بيننا في اسباب ذلك في ذات الوقت الذى كان يسمعنا رجل عجوز اظن انه خبر الدنيا قال لنا :انتم متحمسون لانكم ببساطة شباب ..وقال لصديقي احمد :الاخوان ليسوا حكرا في الحياة المصرية لابد ان تروا جميع التيارات حتي لو اختلفتم معها .. ونحن نحتاج الي اتحاد لافرقة ...اتفق معه احمد واتفقت معه واقتنعت الا ادخل مع اي تيار.. لابد لي ان اراها من جميع المناظير .. انتهي الحوار ولكن لن ينتهي الاندهاش ..وددت لو اسبر اغوار هذا الشخص الذى فجر قنبلة لم تهدأ نارها حتي الان في عقلي ..هل هذا الشاب يحتاج الي قوة تصلحه ام انه يريد اصلاح نفسه بنفسه ؟؟

ايهما اصح ؟؟ الافغاني ام عبده ..ارى ان الاثنين في غاية الصواب ..الاصلاح الفوقي والتحتي ..ماليزيا وتركيا وسنغافورة كانوا بالفوقي ..اليابان بعد الحرب العالمية الثانية بالارادة الشعبية قاموا الي الاصلاح مرة اخرى ولكن وجدوا ايضا ارادة فوقية ...

بل ان نموذج الرسول صلي الله عليه وسلم ارى انه يتمثل في النموذجين الفوقي والتحتي ..كانت الجزيرة العربية في حال يرثي لها من الضياع والتشتت ..صحيح ان محمد عليه الصلاة والسلام نبي واختاره الله لرسالة اداها كما ينبغي ان تكون ..كان الرسول يعمل علي بناء الانسان والاصلاح التحتي ومشهد التعليم في مدرسة الارقم بن ابي الارقم وهو يعلم الصحابة لابد ان تجعله في ذهنك في ذات المشهد الذى تراه بعده وهو يهدم الاصنام بعد فتح مكة ..اي ان الاصلاح اتي من النبع الشعبي حتي وصل الي الفوقي ..ولكن السؤال ..امة بهذا الشكل المشتت كانت لابد ان تحتاج الي مصلح ..واتي المصلح وهو رسول الله واصلحهم وتركهم واعين للرسالة ..اي ان الله اعطاهم حلا فوقيا ولكن النهج تحتيا بالدرجة الاولي ..

ارى ان النهجين متوازيين بشكل كبير.....

...............
ملحوظة : كلاكيت تاني مرة : اهداء لدكتورة ستيتة الحمش
لعلي جاوبت علي السؤال الان ...
مع تحياتي وتقديرى لعقلها النور المنور الذى يثير عندى افكارا