الأربعاء، 3 نوفمبر، 2010

الثورة الاجتماعية


مشكلتي بمنتهي الصراحة المتناهية انني واسع الخيال بشكل يعطيك انطباع ان الذى امامك مصاب بالعته المنغولي ..بالطبع شاهدتم الفيدو الذى يعرض السيد اوردغان رئيس وزراء تركيا وهو يأخذ بكلتا يديه العلم التركي في احد المؤتمرات من الارض ويضعه في جيبه الايسربجانب قلبه ..وانا اشاهد هذا الفيدو للمرة الالف حيث انني حماسي لدرجة تعطيك ايضا انطباعا ان الذى امامك سيفتح القدس عن قريب .. تخيلت انني وجدت تعليقا خياليا من المتحذلقين العرب من الذين يظهرون علينا ليل نهار علي قنوات الاخبار العربية وهم يزعقون حتي تنخلع قلوبهم وتنفجر عروقهم من فرط الحماسة علي غرار من يظهرون مع فيصل القاسم في برنامجه الذى يصيبني بالتلبك المعوى ..تخيلت ان احدهم علق علي هذا المشهد بقوله " انتم ايها العرب حماسيون وملكيون اكثر من الملك ذاته ،تعتقدون ان اوردغان فعل ذلك بداعي انه يحترم شعبه ويحترم علم بلاده ،اوردغان فعل ذلك للدعاية لا اكثر ، حتي يقول الناس رأيتم اوردغان ماذا فعل ، انه بطل ..انه رائع ياليت عندنا مثله ..هذا هرء ياسادة يفعل ذلك من اجل ان يكسب تعاطف العرب "

بالطبع هذا الاخ الخيالي يعمل لحساب امن الدولة في اي بلد عربي بدرجة مثقف ..من الممكن ان نستمر في هذه اللعبة اللطيفة ونزيد من تخيلنا ان هذا المتحذلق الخيالي يشيع هذا حتي لاتنسحب الدعاية نحو نصرالله او احمدى نجاد او بشار الاسد او لا سمح الله اسماعيل هنية ..فهو يعمل علي ضرب النظرية من الاساس .. نظرية الاحتياج الي بطل ..

نزيد نوعا درجة التخيل الي نظرية اخرى " نظرية الكوز " ..لا تندهشوا فهي نظرية متعارف عليها في الاوساط الاكثر فقرا بين المصريين وبالطبع العبد لله من هذه الفئة المطحونة ..اذا رأيت المشهد العبقرى -هكذا اراه- في فيلم ظاظا رئيس جمهورية -حذف الكلمة الثانية والثالثة لاجراءت تتعلق بمن يأتي بعد ذلك في هذا المنصب حيث من يأتي سيكون لقبه ظاظا في الاقوال المتداولة للفئة الشعبية - تجد هاني رمزى يقنع ابن اخته في الفيلم -الذى يعاني من الفقر الذى يمنعه من علبة عصير - بان يتخيل بان الماء الذى في الكوز هو عصير هذه الرشفة عصير برتقال والثانية عصير مانجو والثالثة موز وهكذا حتي يقتنع العقل الباطن بان الذى يشربه في الكوز فعلا هو كوكتيل عصير فواكه من النوع الممتاز ..

بالطبع كلنا نشرب من نفس الكوز ياصديقي المطحون ..شخصيا اعاني من احلام اليقظة المزمنة التي تستدعي طبيبا نفسيا بدرجة فرويد كي يحلل ماانا فيه من ازمات نفسية حادة بفعل هذا التاريخ الذى ادرسه وبفعل الازمات التي الاقيها والتي ليس المجال لسردها -خللي الطابق مستور - اظن ان كل من سيقرأ هذا الكلام سيجد اننا بشكل او بأخر نحتاج الي نظرية الكوز والارتشاف والنهل من المياه التي فيه علي اساس انه عصير ذو مذاق رائع ..باختصار شديد نحن نحتاج الي بطل ..

نعم نحن نحتاج الي بطل من طراز خاص ..قد تكون هذه الامنية رومانسية زائدة مني او من جموع المطحونين في هذا الوطن ..علي مدار التاريخ المصرى لا يملك هذا الشعب رأى ولا فعل ولا قرار ..ولكنه في الوقت المناسب يقدم حلول ..محمد علي باشا كان جنديا بسيطا في الحامية العثمانية التي جائت لطرد جنود الحملة الفرنسية من مصر ..اخذ في الصعود الي اللحظة التي قرر فيها الشعب المصري التغيير واصبح هو البطل المنتظر وجائته الفرصة الذهبية علي يد شيوخ الازهر الذين جاءوا له يعطونه لواء القيادة ليقود هذا الشعب ..صحيح انه انقلب علي خيارات الشيوخ والشورى التي كانوا يرجونها منه حيث اعطوه القيادة والولاية بشروطهم التي هي بالاساس شروط الشعب المصري ..حكم محمد علي مصر بالحديد والنار وابعد الشيوخ عن طريقه كأى ديكتاتور يحترم نفسه ..ونفي زعيمهم عمر مكرم في عام 1809 الي مدينة دمياط ..ولكن هل محمد علي بطل؟؟ ..

الحقيقة انه بطل من طراز خاص ..بني امبراطوريته بشكل سريع وعلي غير المتوقع من بريطانيا التي كانت ترقب كل خطوة في هذه المنطقة ..بامستون رئيس الوزراء البريطاني كان معجب بمحمد علي الي اقصي حد ودخل معه في حرب ضروس كان الشق الاكبر منها مناصرة الشرعية ضد التمرد في نظر بريطانيا او بشكل واضح السلطان العثماني الضعيف القابع في استانبول ضد الوالي المصري الطموح في القاهرة ..لا يهم ان نسرد ماجرى فلذلك قصة يطول شرحها ولكن اسمحوا لي ان اتبني نظرية جمال حمدان التي في غاية الاهمية حيث يوضح حمدان في موسوعته" شخصية مصر": ان مصر التي قدر عليها الزعامة لابد ان تتولي هذه الزعامة ، لقد خلقها الله لذلك شاءت ام ابت ..

هكذا يقول التاريخ كلمته ..محمد علي كان ديكتاتورا ولكن العصر الذى كان فيه موافق لافكاره حيث كان نابليون يجتاح اوربا بنفس الفكر مثلما كان مترنيخ المستشار النمساوى يحكم الامبراطورية النمساوية بذات الافكار ..اعلم ان لكل زمان رجاله وافكاره والقرن التاسع عشر كان يحتوى افكار هؤلاء ..كان لايوجد في العالم اجمع الا ديموقراطية بريطانيا
اما باقي الدول فكانت دول لافراد ليست للمؤسسات لها مكان ..يبدو ان مصر تعيش خارج التاريخ الان ..

الحقيقة ان مصر بالفعل تعيش خارج التاريخ لدرجة تشعرني اننا امام عصر جديد من عصور الفراعنة العظام الذين حكموا مصر منذ الاف السنين.. اطلق جيمس برستد المتخصص في تاريخ مصر الفرعونية علي العصر الذى تلي عصر بناة الاهرامات بفجر الضمير ..ماهذه القصة ؟؟

القصة ان مصر القديمة الذى حكمها الفراعنة كانت تقسم لعدة عصور منها العصر الذى بنوا فيه الاهرامات الشاهقة التي تراها ..هذه الاهرامات بنيت من اجل ان تكون مقابر للملوك وقد نفذ الشعب المصري بناء هذه الاهرامات بدقة من اجل احلام الملك الفرعون ..كانوا ينظرون الي ملوكهم نظرة خاصة ..لا بل انها عقيدة داخل نفوس الشعب المصري ينظرون اليهم انهم الملوك الالهة ..الملك هو الاله لذلك وجب علي الجميع طاعته .. اذن نحن امام عصر يقدس الناس فيه الملوك كاله وجب عبادته ..

هذا العصر انتهي بصدمة كبيرة للمصريين ادت الي انتهاءه بمأساة فكرية وسمي هذا العصر بعصر الثورة الاجتماعية او فجر الضمير كما اسماه جيمس برستد ..حيث نجد المصريون يغيرون من افكارهم الخاصة بالملك الاله ويعتبرونه بشر يصيب ويخطيء وهذا كان له اسبابه التي يمكن ان نلخصها في الاتي :
  • سوء الاوضاع الاقتصادية بسب ماتم بناءه من مشروعات ضخمة ارهقت الاقتصاد القومي وافلست الخزانة العامة
  • المجتمع المصري الذى كان يعاني من التفاوت الطبقي الرهيب حيث الطبقة الحاكمة من الفرعون ووزراءه وكانوا بينهم مصاهرات كثيرة وكان الوزير الاكبر من عائلة الفرعون نفسه وكانت الطبقات الاخرى بعيدة عن هذه الطبقة كبعد الشمس عن الارض حيث طبقات العمال والتجار والصناع والفنانين والفلاحين التي كانت تمثل الطبقة الدنيا دائما وابدا ..
  • الفساد الادارى في الدولة وخاصة من حكام الاقاليم الذين كانوا ينهبون الضرائب ويجعلونها في خزانتهم الخاصة دون خزانة الدولة العامة
  • الحكم الطويل للفرعون الاخير في هذا العصر والذى حكم لمدة 94 عاما وكان يدعي الملك "بيبي الثاني "

الحقيقة والذى يهمني من كل هذا هو نقطة الملك الاله ..للاسف الشديد اعتادنا في بلادنا المحروسة ان نطيع حكامنا ونصفق لهم دائما في الصواب والخطأ بل اننا اعطيناهم فرصة ذهبية لامتطاء الشعب بطريقة تثير الضحك حتي البكاء ..الشعوب هي التي اذنبت في حق حكامها وفي حق انفسها ..عندما يهلل شعب لظالم وينافق ويداهن فهو شعب يريد صحوة وثورة اجتماعية وفكرية كالتي كانت ايام الفراعنة ..حيث نجد افكار المفكرين الفراعنة تثور علي المعتقدات السابقة للمصريين في كينونة الملك الاله بل امتدت الثورة علي المعتقدات الدينية التي ترتبط بذلك ..

موضوع البطل المنتظر لابد ان يظهر وفق مقتضيات التاريخ والحداثة ..بمعني ان مصر لابد ان تنال نصيبها من القرن الحالي ..ان تقلد وتحاكي النظم الديموقراطية وفق جذورنا التاريخية والدينية التي تتميز بها مصر ..

في حديث خاص للرئيس مبارك في مؤتمر صحفي مشترك مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل قال بالحرف الواحد "ان مصر لا تحتاج الي بطل قومي " وذلك ردا علي سؤال من صحفي الماني حول ترشيح البرادعي للرئاسة واكمل سيادته ان من حق البرادعي ان يترشح وفقا للدستور ..

هل البرادعي بطل ؟؟ هل الدستور يتيح لظهوراحد غير ابن الرئيس ؟؟ هل الشعب بالفعل يحتاج الي بطل ؟؟
الايام القادمة ستظهر كل ذلك ..
ولكن الذى اتأكد منه الان ان الشعب مازال ينهل من الكوز ويشاهد المشهد التخيلي ..وتجد فلاح بسيط يجلس علي المصطبة وهو يردد المثل المصرى الشهير "اه يابلد محتاجة ولد ".... بشرط الا يكون ولد الرئيس ..


مصادر : كتاب د احمد امين سليم ، مصر منذ عصر التأسي وحتي بداية الدولة الحديثة ...