الأربعاء، 7 يوليو، 2010

الشدة المستنصرية


طابور طويل من الناس ينتظرون الفرج من الله ويدعون ان يسهل امورهم ويعينهم علي انهاء المهمة الصعبة وان يبدأوا يومهم العصيب كأى يوم من ايامهم الرتيبة يدعون الله ان يرحمهم من الشمس الحارقة التي لفحت وجوهم واقفيتهم ويصبرون انفسهم طويلا الي ان يلمحون من ينتظرونه يخرج من هذا المكان .."يا الطاف الله "يصيح شخص واقف ... "يامسهل يارب " يصيح اخر .. الي ان تبدأ المعركة الكبرى بالاستيلاء علي الشىء الذي ينتظرونه طويلاوكل شخص يهمس لنفسه ويقول اما الموت او ....الخبز..

شدة مرت علي مصر لمدة 7 سنوات مستمرة عجاف ادت الي انهاك مصر اقتصاديا وعسكريا وسياسيا مما ادي الي اضعاف الدولة التي كانت تحكم مصر انذاك انها الدولة الفاطمية التي حكمها الخلفاء الفاطميون في دعة ورخاء وسلام يتحكمون في مصر بشيء من اليسر والرخاء وعاش المصريون في هذا السلام طويلا بالرغم من اختلاف المذهب ولكن المؤرخون يوضحون ان مصر كانت تعيش في حرية دينية في معظم الفترات خاصة اهل الذمة من اليهود والنصارى الذين وصلوا الي المناصب العليا منها رئيس الوزراء

علي اية حال كانت هذه احوال الدولة .....اما الشدة اجارك الله من الشدائد ..هي الشدة المتعارف عليها بين المؤرخون بالشدة المستنصرية
نسبة الي الخليفة الفاطمي المستنصر بالله وهذا الخليفة من اطول الخلفاء حكما لمصر حيث حكم من عام 427هجرية الي 487 هجرية اي ستين عاما متواصلة شهدت الفترة الاولي من حكمه ازدهار الدولة في جميع المجالات والذى كان يعتبر من العصور الذهبية في مصر ولكن سبحان الذي يبدل الاحوال ولايتبدل انقلبت الاحوال في العام الثلاثين من حكم هذا الخليفة
لتدخل مصر مرحلة رهيبة جدا لم يتخيلها اي انسان وقد اسهب المؤرخون في ذكرها ولو تخيلت ان المؤرخون يقولون حكاوى مما يجعلك تحتسي الشاى او القهوة وانت تستمع فأنت مخطي لان الحكاوى بشعة ومقيتة والاشد ايلاما انها صحيحة وتدخل تحت بند حدثت في مثل هذا اليوم ..

من قال ان الدول تزول بفعل الكوارث لم يكذب بل ان هذه الحادثة متوافقة مع هذا المبدأ التاريخي المعروف ..كانت الشدة المستنصرية من هذا النوع الاخير التي كان بفعله اهتزت الدولة واصبحت قاب قوسين او ادني من اخرتها البشعة ..
بشىء من الوضوح سقطت الدولة الفاطمية علي يد صلاح الدين بن ايوب في 567 هجرية اي بعد سنوات طويلة من الشدة المستنصرية ولكن ستجدون الاجابة في اخر التدوينة ان شاء الله ..

حدثت الشدة المستنصرية في عام 457 هجرية وكان المستنصر يحتفل بالعام الثلاثبن لبلوغه عرش الدولة العلية ذات القوة البهية مابين الامم والدولة انذاك كانت تضم مصر والشام والحجاز وجزء من اليمن الي جانب النوبة (شمال السودان )وبرقة (شرق ليبيا ) ولكن في هذا العام حدث شىء لم يكن في الحسبان انخفض النيل بشدة وقسوة علي ارض مصر استعصت المياة وكأنها اقسمت الا تأتي لمدة 7 سنوات لتكرر المجاعة مرة اخري استمرت لنفس عدد السنوات العجاف التي ذكرت في القرأن والتي انقذها النبي يوسف الصديق من براثن المجاعة والمهانة وخرجت مصر بفضل من الله ثم سياسة النبي يوسف الحكيمة اقتصاديا من الازمة ..

النيل ماجاشي ..بالفعل لم يأتي النيل واستمر ساكنا راقدا في الجنوب وكأنه يخرج لسانه الي المصريين ويقول موتوا بجوعكم واروني ماذا انتم فاعلين ؟ ولكن المصريون ليسوا لهم حول ولاقوة ولاطول ولا سياسة ليتدبروا امرهم واعتمدوا علي الحكومة الفاطمية كي تنقذهم من الجوع ومن التشرد ولكن الحكومة وقفت عاجزة امام هذه الكارثة الطبيعة ولم تفعل شيء يذكر مما ادي الي نتائج مروعة وكثيرة مثل :

1/تعذرت وجود الاقوات وغلت الاسعار وبلغ سعر رغيف الخبز الي 15 دينار دفعة واحدة وكان مبلغ كبير في هذه الايام
2/ اضطر الناس الي الهجرة من مصر وكان وجهتهم الي الشام والعراق والحجاز من وطأة هذه الازمة ويذكر ان ام الخليفة هاجرت هي وبنات الخليفة الي الشام تاركة ابنها الخليفة الي مصيره ..
3 / كان المستنصر نفسه يقتات من الطعام القليل ولم يقو علي الوقوف في بعض الايام ..
4/ بارت بالطبع الاراضي الزراعية الخصبة وتوقفت الصناعة وبالتالي التجارة وانتشرت البطالة ومن ثم انتشرت السرقات وعمليات السطو المسلح وتشكيل العصابات وادى ذلك الي انفلات الامن الذى شمل جميع قطاعات الدولة بما فيها الجيش نفسه والتي ظهرت فيه الطوائف وتففك الجيش تحت التحزب والتشرذم حيث كان الجيش يتألف من السودانين والشوام والمغاربة وغيرهم ..
5/انتشرت حوادث القتل والسرقة والسطو والاختطاف وهي حوداث غريبة وعجيبة ولم تحدث في تاريخ مصر او تاريخ المسلمين بهذا الشكل الا في هذه الايام الصعبة مثل :
  • جار يقتل ابن جاره ويذبحه ويشويه ويأكله ولاينكر ذلك الامر عندما قبض عليه
  • تشكيل عصابي يخطف الناس بكلاليب (خطاطيف ) من اعلي المباني واذا مر علهم شخص يخطفونه الي اعلي ثم يذبحونه ويأكلونه وعرف هذا الزقاق التي كانت تقوم فيه هذه العمليات بزقاق القتل وتعقبتهم السلطات حتي تم القبض عليهم واعدامهم بعد ذلك
  • اضطر بعض اعيان الدولة ان يخدموا الناس لقاء كسرة من الخبز
  • بيعت حارة باكملها مكونة من عشرين دارا بطبق من الطعام حتي سميت بحارة الطبق
  • اضطر بعض الناس من اكل لحوم القطط والكلاب الميتة والبحث عن شرائها وكان يباع الكلب ب5 دنانير والقطة ب3 دنانير وفي يوم من الايام سرقت بغلة الوزير وذبحها الخاطفون واكلوها
  • هناك حادثة مشهورة وتبين ضجر الناس علي الخليفة والحكومة عندما اشترت امرأة ثرية جوال من القمح نظير مبلغ 1000 دينار ذهبية ولكن تخاطفوه الناس في الطريق ولم يبق للمرأة الا حفنة صغيرة صنعت منها قرصا صغيرا من الخبز وعندما انتهت من خبزه خرجت الي احد ميادين القاهرة وصاحت في الناس التي تبعتها في مظاهرة الي مقر الخليفة وصاحت باعلي صوتها تتهكم وتقول للناس " ياهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر الذي اسعد الناس بايامه واعاد عليهم بركات حسن نظره حتي تقومتعلي هذه القرصة بالف دينار "
اما عن التداعيات السياسية فكان لها اكبر الاثر في تفاقم الازمة حيث كان الجيش الفاطمي كما ذكرت يتحزب الي احزاب منها السوداني الذي يضم الجنود ذو الاصول السودانية وكان قد اكثر منهم الخليفة مجاملة لامه التي هي من بني جلدتهم الي جانب الحزب الذي يضم الجنود المغاربة والاتراك وحزب اخر يضم الارمن وحزب اخر يضم الشوام ..

بالطبع كما تتوقع في مثل هذه الازمة ادى ذلك الي تفتت الجيش والجبهة الداخلية بل انشقاق قواد امثال ناصر الدولة ابن حمدان الذي هرب الي الدلتا والاسكندرية واعلن سقوط الخلافة واسقط الدعاء للخليفة علي منابر هذه المناطق وحارب الجند السودان حتي اخرجهم الي الصعيد وكان ابن حمدان زعيم الجند الاتراك وحاصر القاهرة تمهيدا لانهاء الدولة والدعاء لنفسه خليفة وبالفعل دخلها وقبض علي ام الخليفة السودانية وانهب اموالها ثم تركها بعد دفع فدية ثم انتقل لنهب الخليفة الذى لم يجد في قصره الا الحصير الذى ينام عليه حيث انه باع كل شىء ليأكل ..

بعد قليل من ذلك قتل احد قواد الترك ابن حمدان وبعدها تشدد هذا القائد التركي الذي يدعي الدكز علي الخليفة حتي اتصل الخليفة سرا ببدر الجمالي ..
كان بدر الجمالي والي عكا تحت قيادة الخليفة وكان مخلصا له وارسل الخليفة يستدعيه ويطلب منه ثلاثة اشياء وهو القضاء علي هذه الفتنة التي دبت في الجيش وقتل الدكز وتولي وزارة مصر وبالفعل فعل بدر هذه الاشياء حيث انه اخضع جميع الاتراك في الجيش وقتل عدد كبير منهم ثم استولي علي الدلتا والاسكندرية المعروفة بكرهها للحكم الفاطمي لانهم احتفظوا بمذهبهم السني وكانوا قد ساعدوا ابن حمدان ضد الخليفة واخضع ايضا الصعيد ..

في نفس الوقت بدأ النيل في الجريان نحو مصر مثلما اصبحت السياسة في يد بدر الذي تولي رئاسة الوزراء وحصن القاهرة واعاد اسوار القاهرة التي مازال منها باقيا الي الان في الابواب الشهيرة لها وتحسنت احوال مصر الاقتصادية بفعل الغاء الضرائب علي اصحاب الاراضي والمصانع والتجارة لمدة سنتين لتخفيف الازمة لترجع الدولة شكلا الي الحياة ..

لن اجاوب علي السؤال المهم هل الشدة المستنصرية لها دور في اسقاط الخلافة الفاطمية بعد ذلك علي يد صلاح الدين بعد سنوات وسنوات بعد هذه الازمة ؟
الاجابة نعم ..ولكن الاجابة طويلة نوعا وتحتاج الي تدوينة طويلة كطابور الخبز تحت الشمس الحارقة وتحتاج الي مكابدة ومجاهدة لكي تحصل علي خبزك اليومي المعتاد ....

يتبع ان شاء الله